أما آن للمرأة الخليجية أن تنعم بشيء من حقوقها؟

جريدة الوسط العدد : 2603 | الخميس 22 أكتوبر 2009م الموافق 03 ذي القعدة 1430 هـ

عبيدلي العبيدلي

اعتبر البعض قرار المحكمة الدستورية الكويتية بـ «عدم دستورية الفقرة الأولى من المادة 15، من القانون رقم 11 لسنة 1962»، وهي الفقرة التي تنص على عدم جواز منح الزوجة جواز سفر مستقلا إلا بموافقة الزوج، «انتصارا للمرأة للخروج من وصاية الرجل». ووصفها البعض الآخر بالخطوة التاريخية» التي من شأنها أن تغير مسار العلاقات الاجتماعية الكويتية خلال العقود المقبلة». لكن لم يخلُ الجو من بعض سحب قاتمة، رأت فيها خطوة سلبية «تهدد كيان العائلة الكويتية»، محذرة من «مغبة انعكاسها سلبا على مجمل العلاقات الأسرية الكويتية».

أتطلع نحو السماء كي لا تنحرف النقاشات حول هذا القرار نحو مناظرات فقهية تدخل ذلك القرار، والضالعون في تلك النقاشات في حلقة مفرغة تجرده من جوهره الإنساني التقدمي، وتدفع به نحو مهاترات غير متناهية لا يستفيد منها سوى فئة صغيرة أبت على نفسها إلا أن تقف في وجه أية محاولة للتقدم، وخصوصا عندما يتعلق الأمر بموضوعات تمس قضايا المرأة.

وعودة إلى مسألة «حق المرأة في اقتناء جواز سفرها» لابد من التأكيد على أنه، وفقا لقوانين حقوق الإنسان، تعتبر حيازة جواز السفر هو الحق المكتسب الذي يجرد حتى الدولة مصدرة الجواز من حقها في تجريد حامله منه. فليس هنالك سوى صاحب الجواز من يملك حق التصرف فيه.

تأسيسا على حق الملكية المطلق هذا، نعود إلى موضوع نيل المرأة هذا الحق، والحوارات التي أثارها، كي نشير إلى بعض الظواهر المتوقع لها أن تصاحب هذا القرار، ومن بين أهمها:

1. الخوف من احتمال سوء استخدام المرأة لهذا الحق. لن ندخل في محاولة دفاع مثالية تنفي احتمال قيام نسبة ضئيلة من النساء، ولأسباب مختلفة بذلك. لكن من الجريمة بمكان معاقبة الأغلبية، بسوء تصرف الأقلية. ولكي نقرب الصورة من ذهن القارئ، هل نحرم المواطنين، من ذكر وأنثى من حقهم في حيازة رخصة السواقة، من جراء تصرف حفنة من غير المسئولين الحمقاء ضد أنظمة المرور. هذه الحقيقة ينبغي أن تدفع الجميع، ودون أي تردد من أجل الوقوف إلى جانب المرأة في حقها في حيازة مستقلة لجواز سفرها. أكثر من ذلك يمكننا إحالة من يقفون وراء مثل هذه الدعاوى إلى المرأة البحرينية التي تنعم بهذا الحق الطبيعي، والتي لم تسجل حتى الآن حالة تشير إلى سوء استخدامها للجواز الذي تحمله من عقود من الزمان.

2. تمترس بعض المناظرين في خنادق دينية، وهو أمر نحذر من الانجرار إليه. محور النقاش هنا ينبغي أن يتمحور كي يرد على تساؤل مشروع يقول: هل تطور الحياة وتعقد أنشطتها، بما فيها تلك التي تمس المرأة، تقتضي نيل المرأة هذا الحق أم لا؟ ومنطق الحياة يقول اليوم، وبصوت عال غير متردد، إن المرأة، سوية بشريكها الرجل، أصبحت في أمَسّ الحاجة إلى استقلالية نيلها جواز سفرها لاستخدامه في مناحي أنشطتها المختلفة، تعليمية كانت، أم صحية، بل وحتى الاجتماعية منها.

3. دعوة للتريث من أجل إعادة النظر، وعدم التسرع في تنفيذ قرار المحكمة، بدعوى «أن العجلة من الشيطان»، وتحت مبرر أن المسألة بحاجة إلى المزيد من النقاش والتمحيص. والرد على هذا المنطق في غاية البساطة، وهو أنه لو، لا قدر الله، وكان هناك أي خطأ أرتكب، فالضرر لن يكون أسوأ من تعطيل العمل بهذا القرار أولا، وأن هناك مسارت كثيرة يمكن من خلالها إصلاح مثل تلك الأخطاء ثانيا. وأكثر من كل ذلك، أن تطور المجتمعات، إنما يقوم على حيويتها، وأن موتها سببه سكونها ووقوفها في وجه موجات التطور والتغيير.

4. خطورة حجب هذا الحق عن المرأة، من شأنه أن يشجع القوى المعادية للمرأة والناهضة لنيلها أبسط حقوقها، للانقضاض على حقوق أخرى انتزعتها المرأة الكويتية، وكان آخرها حقها في الترشح للبرلمان. هذا يقودنا إلى ضرورة الدفاع عن تنفيذ هذا القرار دون تعطيله من خلال تحويل مساره إلى قنوات قضائية أخرى، تحت مبررات الاستئناف.

باختصار، بقدر ما نهنئ المرأة الكويتية لنجاحها في انتزاع هذا الحق، بقدر ما نأمل أن تحذو دول خليجية أخرى حذو الخطوة الكويتية، كي يأتي اليوم الذي تحقق فيه المرأة المزيد من حقوقها، تجاه مؤسسات المجتمع، أو تجاه شريكها الاجتماعي والذي هو الرجل. فبينما تنجح الكويتية في تحقيق المزيد من هوامش الاستقلال، نلتفت نحو دول خليجية أخرى لنكتشف أن المرأة، ليست مجردة من حق امتلاك جواز سفر مستقل، بل أنها مجردة حتى من السفر دون موافقة ولي أمرها والدا كان أم زوجا.

قائمة طويلة من الحقوق التي لا تزال المرأة مجردة منها، سواء كان ذلك على المستوى السياسي أم الاقتصادي أم الاجتماعي، وليست مؤسسات الدولة وحدها هي التي تمارس مثل هذه السياسات القمعية تجاه المرأة الخليجية، ففي أحيان كثيرة يتصدر الرجل قائمة جيش القامعين، بل، ما هو أسوأ من ذلك، حين نجد أنه في حالات معينة تنضم المرأة إلى قافلة من يقمعونها، إذ يمارس قطاع من النساء ما يشبه القمع الذاتي. لكن رياح التغيير قد بدأت وآن للمرأة الخليجية أن تنال المزيد من حقوقها الشرعية، شاءت تلك القلة الواقفة ضد حركة التاريخ أم أبت.

%d bloggers like this: