الدولة البنانية تطالب بفسخ حكم الجنسيّة

استأنفت الدولة اللبنانية عبر هيئة القضايا في وزارة العدل، الحكم القضائي الذي أعطى امرأة لبنانية حق منح جنسيتها اللبنانية لأطفالها من زوج أجنبي متوفّى. استئناف كان متوقعاً على الرغم من اجتهادات قضائية كانت رجّحت عدم حصوله بعد إعلان وزير الداخلية عدم رغبته به.

مهى زراقط

على خطى النيابة العامة الاستئنافية، سارت هيئة القضايا في وزارة العدل وتقدمت في 17 أيلول الفائت، بطلب استئناف الحكم القضائي الذي أعطى سميرة سويدان حق منح جنسيتها لأطفالها (راجع «الأخبار» عدد 17 حزيران 2009)، وذلك حتى قبل تبلّغها الحكم رسمياً، وفق ما هو وارد في نص الاستحضار الاستئنافي الذي حصلت «الأخبار» على نسخة عنه.
الدولة اللبنانية هي خصم سويدان في دعواها القضائية. وهي الطرف الثاني الذي يحق له استئناف الحكم، بعد النيابة العامة التي كانت استأنفته في 13 تموز الفائت. وقد نشرت «الأخبار» آنذاك مطالعة النيابة العامة، والأسباب التي دفعتها إلى الاستئناف (تاريخ 17 تموز :أ2009). وأكد يومها أكثر من حقوقي (ماري روز زلزل ونزار صاغية) أن الاستئناف سيُردّ شكلاً بسبب انتفاء المصلحة، لأن النيابة العامة كانت قد تركت تقدير الأمر للمحكمة وفق ما هو وارد حرفياً في نص الحكم.
تداركاً، ربما، لاحتمال ردّ الاستئناف شكلاً، قامت هيئة القضايا في وزارة العدل بتحضير نص استئنافها الخاص، علماً بأن حق هيئة القضايا في الاستئناف كان قد حظي بجدال واسع في أوسط المتابعين. واتفق أكثر من مرجع قانوني على القول إنه لا يمكن هيئة القضايا التحرّك من دون طلب وزير الداخلية. وأوضحت مصادر حقوقية ما درجت عليه عادة هيئة القضايا: «ترسل كتاباً إلى الوزارة المعنية تسألها فيه إذا كانت ترغب في استئناف الحكم، فتحصل على إجابة من ثلاث: نعم، لا أو نترك لكم تقدير الأمر». وهذا ما لم يحصل في قضية سويدان، إذ يبدو أن هيئة القضايا عمدت إلى غض النظر عن إرسال هذا الكتاب، مع وجود اجتهادات بأنها قد لا تكون ملزمة بالسؤال.
يؤكد الوزير زياد بارود هذا الأمر، فيقول لـ«الأخبار» إنه لم يتسلّم أيّ كتاب من الهيئة لسؤاله عن رغبته في الاستئناف أو عدمه، «بالعكس كان هناك سكوت تام من جانب الهيئة في هذا الموضوع، علماً بأن الدارج هو سؤال الوزير عن نيته، وأنا أعلنت عبر جريدتكم أنني لن أستأنف الحكم». وعلى الرغم مما هو «دارج» من سؤال لوزير الداخلية، إلا أن بارود لفت إلى أنه قد لا يكون الوزير المعني الوحيد في الطلب من الهيئة التقدّم بطلب الاستئناف أو عدمه: «الهيئة تمثل الدولة وقد يُطلب منها أحياناً أن تستأنف» من دون أن يحدّد الطرف الذي قد يكون طلب الأمر مجدداً موقفه من احترام الحكم القضائي.
وفي أساس استئناف الحكم أنه «جاء في غير محله القانوني». وقدّمت الهيئة أربعة أسباب لفسخه هي: مخالفة الحكم لنص المادة 537 أ.م.م، وأحكام المادة 3 أ.م.م، ولطبيعة قانون الجنسية، وأخيراً لأحكام المادة 4 من القرار 15/25 الذي ارتكز عليه القاضي جون قزي في إصدار حكمه.

زياد بارود: هيئة القضايا في وزارة العدل استأنفت من دون سؤالي

ومن خلال التدقيق في مضمون الاستحضار، يلفت انتقاد الهيئة إلى استخدام القاضي عبارة «السؤال الكبير الذي سطع في ضمير المحكمة ووجدانها»، وكأن المطلوب من القاضي أن يصدر الحكم بعيداً عن ضميره ووجدانه. بل إن هذا ما يقوله النص حرفياً، إذ إن القاضي «وجد الحل بعد استهجانه وانتقاده لقانون الجنسية عموماً، وتعاطفه مع حالة المستأنف عليها خصوصاً، فبدلاً من أن يسند حكمه إلى أسباب قانونية محضة، وضع النتيجة وحاول إسنادها عبثاً في ما بعد وبصورة غير موفقة إلى السبب القانوني الأمر المخالف للأصول، إذ عليه أن يقوم بعمله بالاتجاه المعاكس ألا وهو وضع المادة القانونية أولاً وتحليلها، ومن ثم الوصول إلى النتيجة المفروضة قانوناً واستنتاجها، على أن تكون مسندة إلى قواعد مجردة لا إلى المشاعر والوجدان، ما يقضي بوجوب فسخ الحكم لمخالفته المبادئ العامة التي ترعى كيفية صياغة الأحكام».
ثانياً، في الأسباب الموجبة لفسخ الحكم المستأنف، نقرأ أنه يخالف أحكام المادة 3 أ.م.م. التي تنص على أنه «لا يجوز للقاضي أن يضع أحكامه في صيغة الأنظمة، ما يعني أنه لا يجوز للقاضي أن يتجاوز المسألة المطروحة أمامه في سياق الدعوى التي يفصل فيها ليضع حلاً يعممه على حالات أخرى مماثلة»، ورأت الهيئة أن الحكم تجاوز «المسألة،le cas d’espece، وخصوصياتها ووضع مبدأ عممه على حالة كل ولد من امرأة لبنانية متزوجة من أجنبي، الأمر المخالف للمادة 3 المشار إليها ما يقضي بوجوب فسخ الحكم لهذه العلة».
سبب ثالث هو مخالفة الحكم المستأنف لطبيعة قانون الجنسية. وبعد أن تعرّف هذه الفقرة الجنسية، مفاعيلها وأحكامها «ذات الصفة الإلزامية (…) التي لا يجوز التوسع في تفسير أحكامها، وفي حالة قانون الجنسية يكون من غير الجائز اكتساب الجنسية إلا في حدود القانون وشروطه، ولا يجوز بالتالي إنشاء حالات لاكتساب الجنسية لم يلحظها القانون، وبما أنه تبعاً لما تقدم، يقتضي اعتماد قاعدة التفسير الضيق عند تطبيق قانون الجنسية، فيكون الحكم الذي توسع في تفسير قانون الجنسية قد خالف هذه القاعدة التي تفرضها طبيعة أحكام قانون الجنسية الإلزامية والمتصلة بالنظام العام، ما يوجب فسخه لهذه الجهة».
أما السبب الرابع والأخير فهو الذي استند إليه القاضي قزي في حكمه، بناء على أحكام المادة 4 من القرار 15/25. لكن الهيئة فضلت قبل التعرض لأحكام هذه المادة، التذكير بأن «المشترع اللبناني قد اعتمد في قانون الجنسية رابطة الدم لجهة الأب، واعتبرها القاعدة الأساسية في تقرير الجنسية اللبنانية، ولا يتبع المولود جنسية الأم إلا في حالتين استثنائيتين لحظهما القانون، وهما حالة الولد غير الشرعي بالاستناد إلى المادة 2 من القرار المذكور وحالة الأولاد القاصرين لأم اتخذت التابعية اللبنانية (الفقرة الأخيرة من المادة 4). وبما أن المادة 4 المذكورة لم تلحظ حالة منح الأم اللبنانية جنسيتها لأولادها خارج حدود هاتين الحالتين، فلا يجوز خلق أو استنباط حالة منح جنسية لم يقرّها أصلاً المشترع لأسباب عدة تتصل بمصالح الدولة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، وذلك نتيجة للتحليل القانوني السابق ذكره والمتعلق بوجوب اعتماد قاعدة التفسير الضيق عند تطبيق قانون الجنسية. وبما أن أحكام المادة 4 المشار إليها جاءت صريحة وواضحة لجهة الحالتين وشروطهما التي تمنح على أساسهما استثنائياً المرأة اللبنانية جنسيتها لأولادها، الأمر الذي يحول دون إمكان تفسير هذه المادة خارج هاتين المادتين، إذ إنه عند صراحة النص تنتفي الحاجة إلى التفسير والتأويل».
بناءً على هذه المعطيات، ترى الهيئة أن الحكم «خالف بصورة فاضحة أحكام قانون الجنسية بشكل عام وأحكام المادة 4 من القرار رقم 15/25 بشكل خاص، ما يوجب فسخه لهذه الجهة».


الاستئناف بين قاضيتين: هل تنصف المرأة نفسها؟

لا يحمل نص الاستئناف توقيع رئيس هيئة القضايا، القاضي مروان كركبي، وإنما توقيع رئيسة الهيئة بالتفويض، القاضية آرليت تابت. يمكن بالطبع افتراض حسن النية في خيار مماثل، لكنه لا يمنع طرح السؤال عن آثاره. فالحكم القضائي الذي تطالب الدولة بفسخه، هو قضية نسائية من الدرجة الأولى. وتنشط جمعيات نسائية وحقوقية من أجل إيراده ضمن التعديلات المطلوبة على قانون الجنسية. لذلك، يبدو الخوف مبرراً من أن يكون الأمر مقصوداً للقول إن النساء اللبنانيات غير متفقات على استعادة حقهن. الإجابة قد تقدمها القاضية التي ستبتّ الاستئناف لاحقاً، ماري المعوش، حين تجيب عن سؤال: هل تنصف المرأة نفسها؟ ربما لن ننتظر طويلاً لنعرف، فالدولة في ما يبدو مستعجلة، والسيدة سميرة سويدان (الصورة) كذلك، إذ يتوقع أن تطلب وكيلتها، المحامية سهى اسماعيل، موعداً لجلسة قريبة مطلع الأسبوع المقبل.

عدد السبت ١٤ تشرين الثاني ٢٠٠٩

%d bloggers like this: